banner
banner

كاسمار (دار البحر)…التراث المنسي بقلم الدكتور سيدي السالك البودناني

0

صحراء توذوس : بقلم الدكتور سيدي السالك البودناني (باحث فالتراث) 

إن البحث في المعالم التاريخية العمرانية الكولونيالية بمنطقة الساقية الحمراء ليس بالأمر الهين، بل يعد مغامرة نظرا لما سيواجهه الباحث بشكل عام، أمام شح الدراسات والكتابات التي تناولت هذا الإرث الثقافي، والشيء نفسه ينطبق على مختلف المجالات العلمية الأخرى في ما يخص قلة المادة المرجعية، ماعدا بعض الدراسات الكولونيالية التي عمقت البحث على شكل منوغرافيات قامت بها، حيث توزعت على ثلاث مراحل منها ما أنجز قبل فترة الإستعمار ومنها في مرحلته وأخرى بعده، غير إن تلك الدراسات لاتخلو طبعا من الإيديولوجية الإستعمارية، خصوصا وأن جل من قام بها ظباط ورهبان في الشؤون الأهلية.

لكن في المقابل وفي إطار ثقافة الإعتراف يبقى هذا الحكم ليس صحيحا دائما، فإن الأيادي البيضاء لتلك الدراسات في بعض المجالات خاصة العلمية، مثل: اللسانيات، والأدب، والتاريخ، وعلم الاجتماع، والأنتروبولوجيا، والتوثيق الببليوغرافي، والأرشفة المكتبية، وبناء المدارس والمعاهد التربوية لنشر اللغة والثقافة، أثارها لازالت بادية إلى يومنا هذا وإلى حد كتابتنا لهاته السطور تلك البحوث تحمل مجموعة من المعلومات القيمة بل أصبحت تفرض نفسها كمادة مرجعية لايمكن الإستغناء عنها.

فإنطلاقا مما أثاره ” أوجيني كالديري ومن خلال تجربته ” حول ما أسماه بالدلائل الإستعمارية وإشكالية الحفاظ عليها، إذ يفيد هذا الاخير على أنه من غير المنطقي تدمير الأثار الإستعمارية بل يعدو ذلك ضعفا، والأصح هو أن العالم الإسلامي لايخاف ماضيه حيث يعتبره قوتا وسبيلا من أجل الحفاظ والتثمين، بذلك حاولنا تسليط الضوء على الإرث الكولونيالي بصفته جزءا من التراث المحلى أوجب دراسته أو على الأقل رد الإعتبار له، وإخترنا من ضمن هذا الموروث مرفأ كاسمار التاريخية أو دار البحر كنموذج للدراسة، ليس لقلة التراث الكولونيالي بالمنطقة بل العكس صحيح لكن لقلة الدراسات كما أشرنا سلفا، فهذا الأخير يتوزع على كامل أرجاء مجال الساقية الحمراء، حيث يشكل طرازا له خصوصيته وطابعه المتميز والذي يتطابق أيضا مع الخصائص المناخية للمنطقة.

كاسمار (دار البحر)

إن أول ما يثير الزائر لمدينة طرفاية ( كاب جوبي ) هو تلك البناية المشيدة والتي صمدت أزيد من 138 سنة، فدار لبحر( كسمار) أو مرفأ فيكتوريا والتي يعود تأسيسها للرحالة والتاجر البريطاني دونالد ماكنزي يوم 12 ديسمبر سنة 1879، حيث تندرج في إطار التراث العمراني الكولونيالي الحديث، إذ أرتبط تأسيس هاته الأخيرة بمجموعة من الأحداث والظروف التاريخية، إذ لا يمكن صبر أغوار مبنى كاسمار دون التطرق لبعض من هاته الاحداث المرتبطة ببناءها، خصوصا وأنها لاتدرس بدون معزل عن تاريخ المغرب وبالظبط مغرب القرن التاسع عشر، وتوجه أنظار القوة التوسعية الكولونيالية للمغرب الاقصى كوجهة استراتيجية قصد تصريف فائض الانتاج وكذلك التحكم في طرق التجارة الصحراوية.

شكلت العقود الاخيرة من القرن التاسع عشر ميلادي إحدى أصعب المراحل التي إجتازها المغرب انذاك، بسبب ضعف الدولة في شتى المجالات السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، حيث الفساد الإداري ينخر البلاد بالإضافة إلى إنتشار التمردات والثورات وكذلك الاوبئة والمجاعات (المسغبة)، كما عرا توالي إنهزامات الجيش المغربي ضد الجيش الإسباني والفرنسي في عدة معارك عن الضعف والوهن الذي يعيشه المخزن، كمعركة إسلي سنة 1844م وتطوان 1859/1860، مما نزع هيبة الدولة بعد ما كانت تعيش على تاريخ ونشوة الإنتصار بمعركة واد المخازن سنة 1578م أو ما أصطلح عليه في المصادر التاريخية بمعركة الملوك الثلاثة.

في خضم هاته العوامل وهذا الضعف الذي أصاب معظم أجهزة الدولة توجهت أنظار القوى الأوروبية نحو السواحل الجنوبية للمغرب، ونذكر هنا لا الحصر الأطماع الإنجليزية محاولة إيجاد مكان لها هي الأخرى لتبسط نفوذها من خلال إختيارها لخليج طرفاية وموقعه الإستراتيجي، وتركيزها على الجانب التجاري إذ أرسلت لهذا الغرض مجموعة من الرحالة والمستكشفين والتجار الذي كان من بينهم الطبيب دافيدسن وغيره، بدعوى جمع أعشاب طبية لكن سرعان ما إكتشف أمره الرامي إلى خدمة المستعمر البريطاني وأجندته التوسعية.

كان للشركات التجارية الدور الأساس والأداة الفعالة لتحقيق الاهداف التوسعية الانجليزية، التي كانت على رأسها شركة شَمَال غرب إفريقيا North West African Company، للظفر وتنفيذ المخطط الإقتصادي الرامي إلى التوغل بالمبادلات التجارية إنطلاقا من السواحل الجنوبية، إذ رأت الفكرة النور مع شخص توفرت تقريبا فيه جميع الشروط الذاتية والموضوعية، وهو الرحالة والمستكشف والمغامر وأيضا التاجر دونالد ماكنزي . DONALD MACKENZIE
إستثمر ماكنزي التوجهات البريطانية أنذاك ومخططاتها الإقتصادية وكذلك ولعه الشديد للمغامرة والتجارة، حيث جعل من ذلك حافزا من أجل تنفيذ ما يصبوا إليه ليدافع عن مخططه بشراسة، إذ قام بمجموعة من الإتصالات مع العديد من المقيمين العامين والوزراء النافدين خارج وداخل بريطانيا وذلك لكسب التأييد الرسمي، من بينهم النائب القنصلي المقيم في لانثاروطي بجزر الكناري إذ وجه له رسالة مؤرخة يوم 21 يناير 1978، كما إتصل أيضا بكاتب الدولة في الشؤون الخارجية وزعيم حزب المحافظين ( أرل دربي Earl Derby) الذي أهداه كتابه ” غمر الصحراء “(the flooding of the sahara)، من أجل الحصول على نماذج الإتفاقيات المبرمة مع بريطانيا والإمارات السودانية ليستعين بها من أجل تطبيق ذلك مع بعد الزعامات المحلية بمنطقة الساقية الحمراء، وهو ما حصل بالفعل وهذا راجع اٍلى تطور التجارة الأوروبية عبر السواحل الأطلسية جنوب نهر السينغال، والمناطق التي تبعد عن سلطة المركز، وتعامل بعض العائلات والأسر والدور الكبرى مع الدول الاٍمبريالية، وهذا ما أشار اٍليه خالد بن الصغير في كتابه ” … كما أعاد إلى ذهنه حجز الحبيب بن بيروك لثلاثة اٍسبانيين حاولوا منذ السنوات الستين من القرن التاسع عشر ممارسة التهريب على السواحل المغربية الجنوبية ولم يدافع حسان بن بيروك على فك أسرهم…”.

فقد إجتمع مكنزي مع كبير أبناء بيروك الأربعة عشر الشيخ محمد بن بيروك التكني الذي يصفه هذا الأخير بالذكاء والوسامة، حيث كان يبدي رغبة شديدة مع التعاون مع مكنزي لتنفيذ مشروع محطته التجارية، إذ خرجا بالإتفاق التاريخي سنة 19 أبريل 1879 والتي تطرقت إليه المصادر التاريخية والذي تم بموجبه تفويت مجال ترابي بسواحل طرفاية، من أجل بناء المحطة التجارية إذ تعهد محمد بن بيروك في فصول العقد بتقديم المساعدة بمختلف الوسائل الممكنة، مما أثار ذلك حفيظة المخزن الحسني أنذاك في شخص وزير السلطان السيد بركاش، حيث احتج على المقيم العام جون دارموند هاي وكذلك رئيس المفوضية البريطانية على هذا العمل الجريء والغير قانوني، بسبب عدم توفر أي تفويض رسمي من قبل الحكومتين يعطي لهما الحق بإبرام إتفاقية من هذا النوع وبهاته الخطورة.

وعلى إثر الغضب المخزني تم تنظيم حركتا المولى الحسن الأول المشهورتين، والتي تناولتهما العديد من الكتابات التاريخية 1882/1886 لظبط المجال خصوصا السواحل الجنوبية وردع التمردات المتكررة على سلطان المخزن، وذلك بمباركة قبائل الساقية الحمراء المناهضة للتوغل البريطاني صوب السواحل الجنوبية وممارسة التجارة الغير مشروعة، حيث وصل الأمر إلى تنفيذ عمليات هجومية من طرف تلك القبائل لتقويض مشروع المحطة التجارية وطرد الشركة البريطانية حيث تكبد المستعمر البريطاني خسائر فاضحة ماديا وبشريا، مما جعل هذا الأخير يطالب المخزن الحسني بدفع فدية ثقيلة قدرها خمسين ألف جنيه إسترليني مقابل الإنسحاب الكلي من المرفأ التجاري حسب نص الاتفاقية المبرمة بين الطرفين ونقل هذه الوكالة التجارية إلى الديار البلجيكية نظرا للخسائر التي تكبدها ماكنزي وبروز منافسين جدد خاصة التجار الإسبان.

يظهر جليا من خلال هذا السرد التاريخي الموجز للأحداث المرتبطة بمرفأ كاسمار أو دار البحر، وكذلك البطاقة التقنية المنجزة والموجودة بحوزتنا (تحمل دراسة ميدانية)، الأهمية وكذا القيمة التاريخية لهاته المعلمة، بل تعدو مصدرا ثقافيا يأهلها في ذلك مجموع القيم الثقافية التي تتوفر عليها البناية (كسمار)، حيث أن اي خطوة لدراسة ناجحة لمعلم ثقافي لا بد من تحديد مجموع قيمه والتي حددها سابقا إلياس ريغال (Alios Regal 1858-1905)، والمتمثلة في: (القيم المعاصرة الإجتماعية و الإقتصادية، القيم التاريخية، الجمالية، الأثرية، المعمارية، الفنية والتقنية، قيمة الهوية، الندرة، المعلوماتية، الدينية، العلمية…).

إن توافر مجموع هاته القيم الثقافية لمعلم تاريخي يمثل حقبة تاريخية مهمة من التاريخ الإستعماري، وصموده إلى حد كتابة هذه السطور، يحتاج منا تظافر كافة الجهود كأفراد وجماعات ومجتمعات، من اجل حماية هذا الإرث الثقافي المادي، وكذلك تحمل القطاع الوصي مسؤوليته من أجل تثمينه وصيانته، خصوصا وأن المواد التراثية بمختلف أشكالها أصبحت مصدرا من مصادر التنمية الثقافية والإقتصادية والسياحية، فمن غير المنطقي أن معلم يتوفر على هاته المقومات وبلغ عمره أزيد من 138 سنة، وتغيب عنه أبسط شروط الصيانة ولم يعرف أي برنامج للترميم ولا حتى التقييد.

الوصف الأركيولوجي للمعلمة:
الموقع: مجال حضري
الجهة : العيون الساقية الحمراء
الإقليم أو العمالة : طرفاية
الجماعة : طرفاية
الدائرة : طرفاية
المقاييس: طول البناية من الجهة الامامية 28 متر وطولها من الجهة الخلفية 30 متر.عرضها من جهتها اليمنى المقابلة لشاطئ طرفاية 15 متر و80 سنتمتر.أما عرضها من الجهة اليسرى المقابلة للمحيط فهو 16 متر و30 سنتمتر.

مساحة البناية الإجمالية: حوالي 260 متر مربع.
البناية مكونة من طابقين كلاهما يحتوي على ثماني غرف، وبهو داخلي يتكون من ستة فتحات لصهاريج المياه الصالحة للشرب.

تتوفر البناية على باب واحد وهو الباب الرئيسي وطوله متران و64 سنتمتر أما عرضه فهو متر و95 سنتمتر، وتحتوي أيضا على أبواب للغرف الداخلية منها ما هو مقوس ومنها ما هو مستطيل، أما بالنسبة للنوافذ فالواجهة الأمامية تحتوي على خمسة نوافذ بالطابق السفلي وثمانية نوافذ بالطابق العلوي، أما الجهة الخلفية فقد بقيت بها ستة نوافذ واحتمال أن تكون قد انهارت نافذتان، بالنسبة للجهة اليسرى للبناية بقيت فيها نافذة واحدة أما الجهة اليمنى للبناية فتحتوي على نافذتين.

توجد في واجهة البناية من الجهة اليسرى لوحة رخامية مكتوب بها العبارات التالية : 1882
THE NORTH.WEST AFRICAN CO’ LIM’HENRY LEE M.P .CHAIRMAN DIRECTOR JOSEPH RANSOME ALLEN ROBERT SCOTT 4DONALD MACKENZIE ALFRED BROOKES SECRETARY KIPPLER & MORRIS ENGINEERS ALEXANDER BREMMER RES’ENC’.

هذه اللوحة هي عبارة عن بطاقة هوية البناية بها تاريخ تأسيسها وأسماء أصحاب الشركة المؤسسة للبناية من مهندس وسيكريتير ومدراء والاسم الكامل شركة شمال غرب إفريقيا.

حالة المبنى أو الموقع : سيئة ومتهالكة ومعرض للانهيار.

قيمة المعلمة أو الموقع: ( الفنية، التاريخية، الأثرية، الأركيلوجية …) لهذه البناية قيمة رمزية لسكان طرفاية فلا يمكن أن تذكر طرفاية دون أن تستحضر كسمار باعتبارها أول بناية شيدت بالمنطقة وحتى من البنايات الأولى بالمناطق الجنوبية وهي من البنايات النادرة المشيدة وسط البحر وهي البناية الوحيدة التي بناها الانجليز خارج نطاق نفوذهم الاستعماري بطنجة.

الأضرار الطبيعية والبشرية التي تعرضت لها كسمار وغياب أي خطة للترميم:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

+ 48 = 58