الميراث فى الإسلام أعدل الأنظمة.. وادّعاء أن المرأة مظلومة في الإرث… جهْل باطِل

0

صحراء توذوس : د. سالم عبدالجليل

لا يخفى على أحد أن المال هو قوام الحياة، قال تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً} [النساء:5]، وهو نعمة من نعم الله التي يجب شكرها، قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77].. وأطيب المال ما كان من كسب اليد، قال  صلى الله عليه وسلم : «ما كسب الرجل كسباً أطيب من عمل يده» (سنن أبي داود 2/ 745بسند حسن).. على أننا يجب أن نعلم أن هذا المال الذي بأيدينا هو مال الله جعله وديعة بين أيدينا إلى آجال محدودة واستخلفنا فيه وأمرنا أن ننفقه في ما يرضيه، قال تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد:7].. وإذا مات الإنسان خرج من الدنيا بعمله، وأما المال فيؤول إلى ورثته على حسب مراد الله تعالى، وليس على حسب أهواء البشر ونظراتهم القاصرة.. إنما تكفل الله تعالى بتقسيم المواريث في كتابه العزيز بشكل فيه إعجاز شأن كلام لله كله.
وفي الوقت الذي كانت التركة كلها تؤول إلى الذكور الذين يركبون الخيل ويستطيعون القتال وأما غيرهم من الصغار أو النساء فمحرومون بالكلية، جاء القرآن ليؤكد على مبدأ إشراك الجميع في التركة، فقال تعالى: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} [النساء: 7].
تفصيل الأنصبة
ثم فصل سبحانه وتعالى هذه الأنصبة ولم يترك المسألة للاجتهاد، ففصلها في آيات ثلاث محكمات من سورة النساء، اثنتان متصلتان في بداية السورة ، وآية ختمت بها السورة، فأما الآيتان المتصلتان فهما الآيتان: 11، 12 من سورة النساء، وجاء التعقيب عليهما بالآيتين 13و14 من سورة النساء، وأما الآية الثالثة فختمت بها سورة النساء، وهي قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، والقسمة لا تتم إلا بعد إخراج الديون التي للناس على الميت، وإنفاذ الوصية فيما لا يتجاوز الثلث.
وبينت الآية الأولى نصيب كل من الأولاد ذكورًا وإناثًا والوالدين، والآية الثانية بينت نصيب الزوج والزوجة، وأنه يختلف باختلاف حال الميت، وذلك بأن يكون له ولد أو لا ولد له على قيد الحياة، وهؤلاء (الابن والابنة والأب والأم والزوج والزوجة) لا بد لهم من نصيب في مال الميت، ولا يمكن حجبهم بحال من الأحوال، ثم جاء الإخبار عن الكلالة، وهو الميت الذي يموت وليس له أصل أو فرع وارث، أي ليس له والد أو والدة على قيد الحياة، وليس له أولاد أو أولاد أولاد على قيد الحياة، ففي هذه الحالة إن كان للميت إخوة من الأم فإنهم يرثون ثلث التركة، وتكون القسمة بالتساوي بين الأخ لأم والأخت لأم.
وبينت الآية الأخيرة صورة أخرى من صور الكلالة إن مات وكان له إخوة أشقاء، أي إخوة من أبيه وأمه، فإن الميراث يؤول إليهم، وهنا يكون نصيب الأخ الشقيق ضعف نصيب الأخت الشقيقة، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم أن أصحاب الفروض يأخذون أنصبتهم أولا فما بقي فيكون لأقرب عصب ذكر، فقال  صلى الله عليه وسلم : «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر».
ادعاء ظلم المرأة
من أشهر الاعتراضات على نظام الإرث في الإسلام، ادعاء البعض أن المرأة مظلومة؛ لأن للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا الادعاء ادعاء باطل، وينبئ عن جهل صاحبه، فنظام الإرث في الإسلام نظام مثالي، معصوم لأن الذي شرع هذا النظام هو رب العالمين الذي خلق الرجل والمرأة، وهو العليم الخبير بما يصلح شأنهم من تشريعات، وليس لله مصلحة في تمييز الرجل على المرأة أو المرأة على الرجل، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15].
إنما راعى العدل والإنصاف حسب المسؤوليات، فالرجل عليه أعباء مالية ليست على المرأة مطلقـًاً، فالرجل يدفع المهر، يقول تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4]، أي وأعطوا النساء مهورهن عطية واجبة وفريضة لازمة، وعن طيب نفس، والمهر حق خالص للزوجة وحدها لا يشاركها فيه أحد فتتصرف فيه كما تتصرف في أموالها الأخرى كما تشاء متى كانت بالغة عاقلة رشيدة.
والرجل مكلف بالنفقة على زوجته وأولاده؛ لأن الإسلام لم يوجب على المرأة أن تنفق على الرجل ولا على البيت حتى ولو كانت غنية إلا أن تتطوع بمالها عن طيب نفس، يقول الله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا…} الطلاق: 7]، وقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في حجة الوداع عن جابر رضي الله عنه: «اتقوا الله في النساء فإنهنَّ عوان عندكم أخذتموهنَّ بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهنَّ عليكم رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف» (صحيح مسلم 2/ 886)، فمال الرجل مستهلك، ومال المرأة موفور.
والرجل مكلف أيضـًا بجانب النفقة على الأهل بالأقرباء وغيرهم ممن تجب عليه نفقته وصلتهم، حيث يقوم بالأعباء العائلية والالتزامات الاجتماعية.
ولذلك حينما تتخلف هذه الاعتبارات كما هي الحال في شأن توريث الإخوة والأخوات لأم، نجد أن الشارع الحكيم قد سوَّى بين نصيب الذكر ونصيب الأنثى منهم في الميراث، قال تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء: 12]، فالتسوية هنا بين الذكور والإناث في هذه الحالة؛ لأنهم يدلون إلى الميت بالأم، فأصل توريثهم هنا الرحم، وليسوا عصبةً لمورثهم حتى يكون الرجل امتداداً له من دون المرأة، فليست هناك مسؤوليات ولا أعباء تقع على كاهله،  بينما المرأة مكفية المؤونة والحاجة، فنفقتها واجبة على ابنها أو أبيها أو أخيها شريكها في الميراث أو عمِّها أو غيرهم من الأقارب.
مما سبق نستنتج أن المرأة غمرت برحمة الإسلام وفضله فوق ما كانت تتصور، فبالرغم من أن الإسلام أعطى الذكر ضعف الأنثى في بعض الحالات، فهي مرفهة ومنعمة أكثر من الرجل؛ لأنها تشاركه في الإرث دون أن تتحمل تبعات، فهي تأخذ ولا تعطي وتغنم ولا تغرم، وتدخر المال دون أن تدفع شيئـًا من النفقات أو تشارك الرجل في تكاليف العيش ومتطلبات الحياة، ولربما تقوم بتنمية مالها في حين أن ما ينفقه أخوها وفاءً بالالتزامات الشرعية قد يستغرق الجزء الأكبر من نصيبه في الميراث.
والرجل لا يأخذ ضعف المرأة في الميراث في كل الأحوال، بل في بعض الأحوال تساويه، وفي بعض الأحيان قد تتفوق المرأة على الرجل في الميراث، وقد ترث الأنثى والذكر لا يرث.
والمرأة لا تحصل على نصف نصيب الرجل إلا إذا كانا متساويين في الدرجة، والسبب الذي يتصل به كل منهما إلى الميت، فمثلاً: الابن والبنت، أو الأخ والأخت، يكون نصيب الرجل هنا ضعف نصيب المرأة، قال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن} [النساء: 11]، وقال تعالى: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النساء: 176].
المرأة ترث في أكثر الحالات أكثر من الرجل أو تساويه:
عند دراسة مسائل الميراث سنجد أننا أمام أربع وثلاثين حالة من أحوال الميراث ترث فيها المرأة بنسب مختلفة:
عشر حالات ترث المرأة مثل الرّجل.
عشر حالات أخرى ترث المرأة فيها أكثر من الرّجل.
عشر حالات تحجب المرأة فيها الرّجل وتأخذ الإرث كاملاً.
أربع حالات فقط وهي التي يكون فيها للذّكر مثل حظّ الأنثيين.
فإذا توفيت امرأة وتركت: زوجًا، بنتًا، أبًا، أمًا، أخًا.
توزع الأنصبة على النحو التالى: للزوج الربع لوجود الفرع الوارث وهي البنت، للبنت النصف لانفرادها، للأم السدس لوجود الفرع الوارث وهي البنت، للأب السدس لوجود الفرع الوارث، ولا شيء للأخ لأنه محجوب بالأب، ويحصل في المسألة ما يسمى بالعول.
فتلحظ في هذه المسألة أربعة أشياء:
ورثت أنثى مثل الذكر (الأم مثل الأب).
ورثت أنثى ضعف الذكر (البنت مقارنة بأبيها).
ورثت أنثى أكثر من ضعف الذكر (البنت مقارنة بجدها).
ورثت أنثى ولم يرث ذكر (الأخ).
ولما كانت قسمة الميراث قسمة إلهية معصومة ولا يجوز التدخل فيها، جاءت أحكام احترازية لمنع التلاعب في هذه الفرائض، ومنها منع الوصية بشيء لأحد من الورثة، فقد جاء في الحديث عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث»، وفي هذا الحكم صيانة للحقوق، والمنع من طغيان وارث على وارث آخر، فكل واحد يأخذ ما يستحقه بلا زيادة، وهذا هو العدل والإنصاف، وخصوصاً إذا تعلق هذا الأمر بالأولاد… وأخيرًا، شرع الله لا يقبل المساومة أو النقاش {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]. ودور الدولة سن التشريعات التي تضمن إعطاء الحقوق لأصحابها في ضوء التشريع الإلهي.
 * الوكيل السابق وزارة الأوقاف المصرية وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

94 − 92 =