قراءة تحليلية وسياسية في تدشينات جماعة العيون بمناسبة ذكرى عيد العرش
صحراء توذوس : العيون
في الواقع، لا تنحصر قراءة التدشينات التنموية الأخيرة بجماعة العيون، على أنها تخليد نوعي ومميز في إطار إحتفالات ذكرى عيد العرش المجيد فحسب، وإنما هناك قراءة أخرى بإعتبار هذه التدشينات بمثابة هدية رمزية ذات معاني ودلالات مقدمة إلى الملك محمد السادس من طرف جماعة العيون وتجسيد رؤيته التنموية بخصوص تطوير وتأهيل جهة الصحراء في إعداد الأرضية المواتية لإرساء مقومات الحكم الذاتي المنتظر تنزيله بشراكة مع الأمم المتحدة، والإعتماد في توجه المغرب الجديد على نسبة المشاريع التنموية المنجزة على الأرض ومدى نجاعة البنيات وعصرنة التجهيزات في المنطقة وإستدامة هذه المشاريع والأوراش الإقتصادية والطاقية المهيكلة التي أطلقتها الدولة في الصحراء.
وهي بالضبط، الفلسفلة والإستراتيجية التدبيرية التي عملت جماعة العيون طيلة عهد الملك محمد السادس على تنفيذها وترجمة الرؤية الملكية بخصوص المنطقة، وما عرفته مدينة العيون تحديدا من ملامسة جوهرها وتنزيلها من خلال طريقة الإشتغال وتدبير الأوراش التحتية وخلق الأفكار والفضاءات العمومية والمشاريع الإجتماعية والمرفقية ومضاعفتها كليا مع إطلاق النموذج الملكي التنموي سنة 2015، وما تبعه من مجريات ألقت بظلالها على تطورات نزاع الصحراء بسبب أحداث الكركرات، بالموازاة مع التحركات الأجنبية، وإفتتاح وتدشين القنصليات والاعترافات الدولية المتتالية بالسيادة المغربية على الصحراء.
وهي الاعترافات التي لم يكن إقرارها لصالح المغرب من طرف الدول والحكومات الإفريقية والأوروبية والأمريكية اللاتينية، إلا من خلال الاقتناع بحرص الملك محمد السادس على عدم ترك المنطقة رهينة مسلسل التسوية الأممي، مقابل التركيز الملكي على تدعيم المسار التنموي والإقلاع بالصحراء وتأهيلها بما ينعكس على مظاهر الحياة الاجتماعية والأمنية والمرفقية المؤسساتية التي تعتبر جماعة العيون رائدة على مستواها، وإلى درجة يمكن إعتبارها رافعة مهمة من روافع مقترح الحكم الذاتي وإحدى نقاط القوة والدفع لصالح السياسة الداخلية والخارجية للمملكة المغربية، لا سيما، خطوة توسيع الإختصاصات القنصلية للسفارات الدولية والدبلوماسية الموجودة في الرباط لتشمل جهة الصحراء والإطلاع على مسارها التنموي والسياسي.
وهذا بما تخلله من الدعوة إلى تشجيع الإستثمار في المنطقة التي تعتبر جماعة العيون من أكبر محفزيه شكلا ومضمونا من الناحية المرفقية والتحتية إلى جانب الدولة، من خلال إرساء المنشآت والتجهيزات العصرية التي أشرف على تنزيلها مولاي حمدي ولد الرشيد، وما أصبحت تشكله هذه الأوراش من دعامة حقيقية للمغرب ضمن مقاربته ملف الصحراء، وما أصبحت تثيره أيضا هذه المنجزات المغربية من شهادات الإنبهار والتقدير لدى الوفود البرلمانية والرسمية القادمة من الدول العربية والافريقية والأوروبية وأمريكا اللاتينية، في زياراتها الميدانية والاستكشافية إلى جماعة العيون التي تلعب دور مهم في الدبلوماسية الموازية والترابية وإشعاع وتشريف السياسة المغربية الخارجية عبر المنجزات التنموية.
وغير ذلك مما تحقق داخل مدينة العيون التي يمكن إعتبار تدشيناتها الأخيرة بمناسبة ذكرى عيد العرش العلوي المجيد، أنها قيمة مضافة للمسار التنموي المغربي المعتمد في إقليم الصحراء، باستحضار نوعية هذه المشاريع التنموية وتدشين عمل قنطرة المدخل الشمالي، كمؤشر قوي، وطريق متطورة ودامجة داخل الوطن الأم المغرب، وكذا قناة رابطة بين جهة الصحراء والأقاليم الشمالية، وكذلك مدخل وجسر سيصل المملكة مع عمقها القاري وممر وطريق عبور المبادلات التجارية الأوروبية المتجهة إلى الصحراء ثم إلى موريتانيا والدول الإفريقية وغيرها.
وهذا في إطار السياسة الملكية بتنمية جهة الصحراء وصدراتها ضمن توجه الدولة في الإندماج الإفريقي وإشعاع الأقاليم الجنوبية على المستوى الإقليمي كنقطة جذب إقتصادية وإستثمارية وسياحية وتراثية مفتوحة من خلال مثلا المنشآت المنجزة بالعيون مثل كلية الطب والمستشفى الجامعي والتجهيزات الرياضية والمجتمعية وبنيات التعليم العالي والمعرفي على غرار المكتبة الوسائطية التي تعتبر هي الأخرى دعامة جوهرية للحكم الذاتي وأحد تجلياته المثلى وما ستشكله من واجهة علمية وثقافية وتراثية للصحراء، وضرورة أن تكون إمتداد للفنون الإبداعية والمكتبات الجامعية المغربية وشراكة الانتاجات الأكاديمية بمختلف التخصصات والشعب.
وفي جوانب أخرى من هذه القراءة التحليلية، حول تدشينات جماعة العيون بمناسبة عيد العرش، يجوز لمن يريد الإنصاف، قراءتها على أنها تجسيد فعلي وترجمة ميدانية لمفهوم ومعنى الجدية وعبارات التفاني والإبداع والإبتكار التي وردت بالخطاب الملكي السامي الأخير، وذلك في ظل الإرتسامات والإنطباعات التي خلفتها هذه التدشينات المهيكلة وما حظيت به من الإعجاب والتنويه لدى ساكنة الأقاليم الصحراوية وتقديرات البرلمانيين وفخر رؤساء المجالس وإجماع أفراد القبائل المتنوعة والمتعددة، على الأراء والملاحظات المشيدة بالمستوى التنموي العجيب الذي أصبحت ترخر به مدينة العيون وتتمتع به.
وهو طبعا المستوى الذي لم يولد بين ليلة وضحاها وإنما إنبثق من الرؤية الملكية ومقاربة الدولة إتجاه الصحراء، وكحصيلة تراكمية من الجهود والتدبير المحلي واليومي والإكراهات الشاقة والتحديات التي واجهت جماعة العيون ورئيسها مولاي حمدي ولد الرشيد ونجاحه في التغلب عليها عبر الجدية التي أظهرها هذا الرجل الذي لن يتكرر في إنجاح تجربة ومسؤولية التدبير المحلي وتنزيل المشاريع وبلورة الأفكار، وفق برنامج عملي وأسلوب شخصي أمكنه بشهادة الخصوم قبل الأصدقاء من البصم على طريقة متفردة ستجعل منه أكثر منتخبي الصحراء بروزا وحضورا في عهد الملك محمد السادس، وأكثر رجال الدولة مردودية وإنتاجية بخصوص الرؤية الملكية بشموليتها في تنمية جهة الصحراء وتنزيل مقترح الحكم الذاتي وتحفيز الإستثمار، ومشروع الجهوية المتقدمة، واللامركزية الإدراية، والإندماج الإفريقي.
