موقع الغشيوات الأثري بالسمارة حالة إستثناء لاركيولوجيا ماقبل التاريخ بشمال إفريقيا

1

صحراء توذوس : بقلم /سعيد عبيد

يعتبر موقع لغشيوات الأثري من المواقع التاريخية والثقافية والاركيولوجية بإمتياز لما له من خصائص ومميزات تميزه عن غيره من المواقع الأثرية بعموم الصحراء الغربية، وتتداخل عدة مواضيع واختصاصات علمية وثقافية وتاريخية حول موضوع دراسة موقع لغشيوات الأثري بحيث لا يمكن الحديث عن هذا الأخير إلا إذا لم تكن هناك تداخلات علمية مشتركة عدة ك: الاركيولوجيا/التأريخ الطبيعي/الطوبونيميا/الجيولوجيا/الأنثروبولوجيا/الابيغرافيا وغيرها من العلوم؛ تصب كلها في منحى علمي واحد ألا وهو دراسة الموقع الأثري لغشيوات وإخراج كل مايختزنه من أسرار وخبايا ذات قيمة علمية وثقافية وتاريخية اجتماعية وحضارية، لأن المعلم الأثري لا زال بكرا ولازالت الدراسات والأبحاث العلمية والأكاديمية منصبة عليه ولو بشكل محتشم  إلى اليوم، وقد تساهم هذه الدراسات والأبحاث مستقبلا في نفض الغبار عن جزء كبير ومهم من تاريخ الموقع من خلال دراسة الإنسان والمجال والتعرف على أنواع المجموعات البشرية والحيوانية والنباتية التي ميزت الموقع الأثري لغشيوات، من خلال ذلك يمكن طرح عدة تساؤلات.

– ماهي القيمة التاريخية والعلمية والطبيعية والجغرافية لموقع لغشيوات الاثري؟

– ماهي المراحل التاريخية التي مر منها موقع لغشيوات الاثري؟

– أين تتجلى القيمة العلمية والتاريخية والطبيعية لموقع لغشيوات؟

إن دراسة الحضارة الإنسانية بالمواقع الأثرية ليس بالأمر الهين خصوصا إذا كان لابد من توافر عدة علوم قائمة بذاتها من أجل البحث والتحليل،  ويعتبر موقع لغشيوات من المواقع الأثرية الماقبل تاريخية بمنطقة الصحراء الغربية بداية يحمل الموقع اشكالا طوبونيميا بالنسبة لغير المنتمين للمجال الجغرافي الصحراوي فكلمة لغشيوات هي جمع مؤنث كلمة غشوة والغشوة تطلق على كل أنثى الأنعام وجهها أبيض أو ناصع البياض بحيث يقال مثلا بالحسانية (عنز غشوة/ناقة غشوة/نعجة غشوة. كما يقال بالمذكر:جمل اغشى/عتروس اغشى/كبش اغشى…).

وفي هذا الصدد لا يمكن أن يكون مفهوم الإشكال الطوبونيمي لمصطلح لغشيوات إلا هكذا تعريف لأن قوة انعكاس أشعة الشمس على الصخور المرمرية المشكلة للشريط الصخري للموقع والذي تحيط به كثبان رملية صغيرة يشبهه الملاحظ عن بعد كالغشوة وبما انها مجموعة من الصخور أصبحت تحمل إسم لغشيوات لأنها جمع مؤنث، ويتواجد الموقع الأثري بالجنوب الغربي لمدينة السمارة على بعد حوالي 125كلم ويعتبر متحفا من متاحف الهواء الطلق يعرض مجموعة كبيرة من النقوش الصخرية ويؤرخ لتعاقب عدة حضارات إنسانية على المنطقة وما يفسر ذلك هو وجود آثار جل المراحل الكرونولوجية للفن الصخري.

وبالنسبة للوصف الجغرافي لموقع لغشيوات الأثري يقع هذا الأخير جنوب غرب السمارة( 125كلم) تابعة مجاليا لجماعة امكالة الترابية تحت إحداثيات:w12°15,07′-25°51,46N يحده من الشمال واد (عين لحشيش) ومن الجنوب واد (اوليتيس) وهو عبارة عن مجموعة من الصخور المرمرية المكسوة جنباتها ببعض الكثبان الرملية ممثلة لأخاديد صغيرة وتقدر المسافة الإجمالية لمواضع النقوش الصخرية بالموقع بحوالي (12كلم طولا و3،5 عرضا).

وبالنسبة للوصف الجيولوجي لموقع لغشيوات الأثري فإنه ذو طبيعة مرمرية تشكلت من كربونات الكالسيوم غير الشكل البلوري اختلطت بترسبات الصخور الكلسية المتحولة التي تتكون من الكالسيت النقي وهو الشكل البلوري لكاربونات الكالسيوم  CaCo3 والتي تكونت تحت ظروف نادرة من الضغط والحرارة الهائلتين في جوف الأرض، مكونة بذلك شريط صخري من المرمر ذو قشرة سمكة وهو ماساعد إنسان ما قبل التاريخ بالمنطقة من تدوين كل ملاحظاته على تلك الصخور، وما يؤكد ذلك هو مقاومة وصمود نقوش صخور المرمر ضد عوامل التجوية والتعرية عكس الصخور ذات الطبيعة الرملية والشستية، وهنا يمكن القول أن موقع لغشيوات يمثل حالة إستثناء ضمن مواقع الفن الصخري بشمال إفريقيا وبالمجال الجغرافي لزمور لكحل بالصحراء الغربية لأن أغلب مواقع الفن الصخري لا تتميز بشريط صخري مكون من رخام المرمر أو غيره، وكلمة المرمر هي كلمة مصرية كانت تطلق على قرية صغيرة بمصر القديمة تقع بالقرب من مدينة طيبة والتي يتم إستخراج الصخور الجيرية الشفافة منها،  ويطلق مصطلح المرمر في الآونة الأخيرة على مجموعة متنوعة من من الأحجار والصخور الجيرية الضخمة والمخصصة للأعمال الفنية ويتكون من حييات جيرية صغيرة الحجم بلورية الشكل بأحجام تتراوح من 10 إلى 80Mkm (مايكرو متر) وتظهر على شكل فسيفساء غير منتظمة، ويشبه التركيب الكيميائي لحجر المرمر تركيب الحجر الجيري (فوسفات الكالسيوم+ثنائي الهيدرات)، وبالنسبة للكيفية التي يتكون فيها المرمر فنظرا لحالات إنخفاض منسوب المياه بدرجة كبيرة من نتيجة تبخر مياه البرك والبحيرات التي تتعرض للتبخر المكثف(أحواض التبخير) فيتم الوصول إلى درجة التشبع المطلوبة لتكوين الأملاح المختلفة، كما يؤدي تراكم بلورات الحجر الجيري الصغيرة في قاع البحيرة في النهاية إلى عملية تكوين صخور المرمر.

وبالنسبة للوصف الاركيولوجي لموقع لغشيوات الأثري فهو غني بالتراث الصخري (الرسوم والنقوش الصخرية) وأدلة وشواهد مادية عبارة عن بعض الأدوات الحجرية تعود لمراحل العصور الباليوليتية والنيوليتية متمثلة في الفؤوس الحجرية ورؤوس السهام والمكاشط والقواقع والمحار وبعض القطع الخزفية تؤرخ لحقب مختلفة، وتجدر الإشارة إلى أن هاته الأدوات تمثل مراحل كرونولوجية للعصور الحجرية القديمة ويبقى إبداع إنسان ماقبل التاريخ بهذا الموقع الأثري يتجلى مجمله في نقوش الموقع التي تنتشر  على طول أكثر من 12 كلم ويعرف تواجد جميع انواع الرسوم والنقوش الصخرية وتقنياتها المتمثلة في (النقر والصقل والنحت) بجل مراحلها الكرونولوجية المكونة للفن الصخري، ومن بين مميزات الفن الصخري بموقع لغشيوات الأثري ضخامة بعض النقوش وطولها بحيث توجد رسوم لزرافات وفيلة ونعامات وبقريات وسنوريات مميزة تصل رسوم بعضها إلى قرابة مترين ونصف
إضافة إلى وجود بعض الأشكال الآدمية وبعض الرسومات الغامضة وبالنسبة للكتابة فهناك نقوش للكتابات الليبيةالأمازيغية المجسدة للإنسان الأمازيغي أضف إلى ذلك بعض الكتابات العربية المتأخرة (كتابات ماقبل الإسلام وكتابات مجسدة للإسلام بحيث توجد عبارات وجمل يشار فيها إلى إسم الجلالة) (لا إله إلا الله/اللهم اجعل آخر كلامي لا إله إلا الله/من هنا تبدأ شهادة أن لا إله إلا الله). كما توجد آثار لاوراش التعدين بحث يمكن القول بأن إنسان المنطقة عرف ثورة صناعية تتلخص في صناعة أدوات معدنية استعملها في حياته اليومية ويشكل ذلك معلومات جديدة للباحثين والمتخصصين في المجال من أجل إعادة كتابة تاريخ المنطقة ومقارنة طريقة وكيفية صهر واستخراج المعادن ومقارنتها بمواقع أخرى بعموم شمال إفريقيا وغيره.

كل هذه الدلائل الاركيولوجية والتاريخية أعطت لموقع لغشيوات حالة من الاستثتاء دون غيره من مواقع الفن الصخري واركيولوجيا ماقبل التاريخ بعموم الشمال الإفريقي وبذلك يبقى المعلم الأثري لغشيوات وغيره من المعالم الأثرية بالصحراء الغربية مجالا بكرا ومادة خام يستحق الكثير من الإهتمام والدراسة والبحث للكشف عن المزيد من الحقائق العلمية والتاريخية كما يستحق المحافظة والتثمين.

بقلم /سعيد عبيد

تعليق 1
  1. الركيبي يقول

    شكرآ الجريدة على المقال

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

29 + = 33