يكوت بين إرث القبيلة وصوت الشباب.. حين يصبح الإقصاء خطرا على وحدة المكون ومستقبله
صحراء توذوس : الحافظ ملعين
قبيلة يكوت عنوان لتاريخ اجتماعي عريق، وامتداد لذاكرة جماعية صنعتها أجيال متعاقبة من الرجال والنساء والشباب، وظلت حاضرة بقوة في المشهد الصحراوي وفي النسيج الوطني المتماسك. غير أن ما يثير اليوم كثيرا من التساؤلات داخل صفوف أبنائها هو استمرار الاعتماد على تمثيلية محدودة الوجوه، في وقت اتسعت فيه قاعدة القبيلة عدديا، وتعددت كفاءاتها وأطرها، وأصبح لها حضور وازن داخل جهة العيون الساقية الحمراء ومناطق أخرى. والمسألة هنا ليست انتقاصا من أي شخص، ولا تشكيكا في مكانة أحد، وإنما سؤال مشروع حول مدى قدرة التمثيلية الحالية على استيعاب مختلف مكونات القبيلة، خصوصا شبابها وأطرها وكفاءاتها.
حين يصبح إقصاء الشباب قاعدة، فإن الأمر يتجاوز مجرد اختلاف في وجهات النظر، ليطرح سؤالا أكبر حول طريقة تدبير الشأن القبلي والاجتماعي والسياسي. فالشباب ليس منافسا لأحد، ولا يبحث بالضرورة عن الأضواء أو المواقع، وإنما يريد أن يجد مكانه الطبيعي في المشهد، وأن تكون له كلمة وحضور ومساحة للمشاركة. ومن يصر على إبقاء المشهد مغلقا على الوجوه نفسها قد يجد نفسه، مع مرور الوقت، بعيدا عن التحولات التي يعرفها المجتمع والقبائل الأخرى. فالقبيلة التي لا تفتح أبوابها أمام جيل جديد، ولا تمنح كفاءاتها فرصة التعبير والمشاركة، تخاطر بأن تتحول تمثيليتها إلى صورة جامدة لا تعكس حقيقة امتدادها وحضورها.
والحديث عن هذا الموضوع لم يأت من فراغ، بل هو انعكاس لما يتم تداوله بين عدد من أبناء يكوت من أطر وأساتذة وفعاليات وشباب بمدينة العيون، ممن يعبرون عن استغرابهم من غيابهم عن بعض اللقاءات التي تقدم نفسها باعتبارها معبرة عن القبيلة، ولا يختلف جلها في اتجاهها السياسي والحزبي. هؤلاء لا يطلبون امتيازات، ولا يبحثون عن مناصب، وكثير منهم يتحمل مسؤوليات مهنية وإدارية ويشتغل في مجالات مختلفة، لكنهم يريدون فقط أن يشعروا بأنهم جزء من المشهد العام في الصحراء. وعندما تتكرر الأسئلة نفسها بين أبناء القبيلة، يصبح من واجب الجميع التوقف عندها بهدوء ومسؤولية، بدل تجاهلها أو التعامل معها باعتبارها مجرد أصوات عابرة.
وفي السياق السياسي الراهن، تكتسب هذه المسألة أهمية أكبر، خصوصا أن المنطقة مقبلة على استحقاقات سياسية وأوراش تنموية ودبلوماسية كبرى، وفي مقدمتها الانتخابات والاستحقاقات المقبلة، وما يرتبط بمسار قضية الصحراء المغربية ومبادرة الحكم الذاتي. وفي مثل هذه المراحل، تحتاج المكونات الاجتماعية إلى مزيد من التعبئة والتواصل والانفتاح، لا إلى تضييق دائرة المشاركة. فالقوة الحقيقية لأي مكون قبلي لا تقاس بعدد الأشخاص الذين يظهرون في الصور، وإنما بقدرته على جمع أبنائه، وإشراك شبابه ونسائه ورجاله وأطره، وتحويل الاختلاف إلى مصدر قوة، بدل أن يتحول إلى سبب للتباعد.
لقد شاهدنا خلال هذه المرحلة كيف استطاعت مكونات قبلية أخرى أن تفتح المجال أمام شبابها ونسائها وكفاءاتها، وأن تمنحهم الكلمة، وتستمع إلى تطلعاتهم، وتربط بين العمل الاجتماعي والمشاركة السياسية والتوعية الوطنية. ولم يكن ذلك انتقاصا من مكانة الشيوخ والوجهاء، بل على العكس، كان تكريسا لمكانتهم من خلال نقل التجربة إلى جيل جديد. أما أن تبقى الوجوه نفسها حاضرة في كل مناسبة، بينما يغيب جزء واسع من الشباب والكفاءات، فإن ذلك قد يخلق انطباعا لدى الكثيرين بأن هناك رغبة في احتكار الحديث باسم مكون واسع، لا يختلف كثيرا في آرائه ومواقفه من القضايا المطروحة.
وأنا عبد ربه المحفوظ ولد ملعينين، ابن هذه القبيلة، وصاحب مقاولة إعلامية تشتغل عبر منصتين إلكترونيتين بالعربية والفرنسية، ولها حضور متزايد على مواقع التواصل الاجتماعي، أكتب هذه السطور من موقع ابن العمومة، لا من موقع الخصومة. والحمد لله، استطاعت المؤسسة التي أديرها أن تصنع لنفسها اسما في الإعلام الجهوي والوطني، وأن تحصد جوائز وتراكم تجربة مهنية، كما سبق أن قدمت مجموعة من الأفكار والمبادرات التي تم الاشتغال عليها مع شيخ القبيلة في محطات سياسية وطنية، وحققت نتائج إيجابية. لذلك فإن موقفي اليوم ليس بحثا عن موقع، ولا ردا على إقصاء شخصي، وإنما هو تعبير عن قلق تجاه ظاهرة أصبحت تثير حديثا متزايدا بين أبناء وشباب ورجال ونساء القبيلة.
لقد عشنا، نحن أبناء مخيمات الوحدة، منذ قدومنا إلى مدينة العيون، باعتزاز الانتماء إلى وطننا ووفاء للعرش العلوي، ولم نكن يوما عبئا على أحد، بل كنا ولا نزال جزءا من هذا المجتمع. وتربطنا علاقات دم وعمومة مع أبناء يكوت في العيون، وقد ظل الاحترام المتبادل حاضرا بيننا في مختلف الظروف. ولذلك فإن أي حديث عن الإقصاء لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة بين أبناء العمومة، ولا إلى صراع بين من قدموا من مناطق مختلفة، لأن وحدة القبيلة أكبر من الأشخاص، وتاريخها أعمق من أي ظرف سياسي عابر، ومستقبل أبنائها أهم من حسابات ضيقة قد تنتهي بانتهاء أصحابها.
المشكلة الحقيقية ليست في حضور الشيوخ والوجهاء، فهؤلاء لهم مكانتهم واحترامهم، ولا أحد يريد الانتقاص من أدوارهم أو تاريخهم. المشكلة تبدأ عندما تتحول مكانة هؤلاء إلى مبرر لإبعاد الجيل الجديد، أو عندما تصبح بعض الوجوه هي العنوان الدائم والوحيد للقبيلة. إن الشيخ الحكيم هو من يفتح المجال أمام شبابه، ويمنحهم الثقة، ويجعلهم امتدادا طبيعيا لتجربته، لا من يخشى ظهورهم. ومن يريد حماية مكانته بإقصاء الآخرين قد يحقق حضورا مؤقتا، لكنه في المقابل يزرع مسافة بينه وبين جيل جديد أصبح أكثر وعيا، وأكثر قدرة على التواصل، وأكثر اطلاعا على ما يحدث داخل القبيلة وخارجها.
والواقع أن أبناء القبيلة اليوم لم يعودوا يعيشون بمنطق الماضي؛ فالهاتف أصبح نافذة مفتوحة على العالم، والشباب يتابعون ما تقوم به القبائل والمكونات الاجتماعية الأخرى، ويقارنون بين التجارب، ويتساءلون عن أسباب تأخر حضورهم في بعض المجالات. وعندما يرون مكونات أخرى تمنح شبابها فرصا للتأطير والتواصل والمشاركة، فمن الطبيعي أن يطرحوا السؤال: لماذا لا يحدث الأمر نفسه داخل قبيلتنا؟ وهذا السؤال لا ينبغي أن يخيف أحدا، بل يجب أن يكون فرصة لإعادة النظر في أساليب العمل، وفتح قنوات التواصل، وإشراك الطاقات الجديدة قبل أن يتحول الاستياء الصامت إلى قطيعة يصعب إصلاحها.
كما أن المسؤولين الجهويين والمحليين لا ينتظرون من أي مكون قبلي أن يقدم لهم مشهدا شكليا، وإنما ينظرون إلى حجم التنظيم والتماسك والقدرة على التواصل والاستمرارية. فعندما تأتي مجموعة محدودة وتقول إنها تمثل قبيلة بأكملها، يبقى السؤال مشروعا حول مدى اتساع هذا التمثيل. أما عندما تنظم القبيلة صفوفها، ويشارك فيها شيوخها وشبابها ونساؤها وأطرها وفعالياتها، فإن الصورة تصبح أقوى وأكثر صدقية. ومن هنا فإن التنظيم ليس استعراضا، بل رسالة اجتماعية وسياسية تعكس أن القبيلة حاضرة، متماسكة، واعية بمرحلتها، وقادرة على التواصل مع المؤسسات والمسؤولين بمنطق واضح ومسؤول.
وأقول لمن يهمه أمر يكوت: الوقت لم يفت، والباب ما زال مفتوحا أمام مراجعة الأسلوب وإعادة ترتيب الأولويات. لا أحد يطالب بإقصاء أحد، ولا أحد يريد استبدال وجه بوجه، وإنما المطلوب هو توسيع الدائرة حتى يشعر الجميع بأن القبيلة بيت واحد. إن إشراك الأطر والشباب والكفاءات لا يعني التمرد على الشيوخ، بل يعني تقوية مكانتهم ومنحهم سندا جديدا من جيل قادر على حمل المسؤولية. كما أن تمثيل القبيلة يجب ألا يكون موسميا، يظهر عند الانتخابات ويختفي بعدها، بل ينبغي أن يكون مبنيا على رؤية قريبة ومتوسطة وبعيدة المدى، حتى يعرف الجميع من يمثل ماذا، وكيف، ولماذا.
وأكرر هنا أنني لا أكن حقدا ولا حسدا لأي أحد، ولا أعمل لحساب أجندة أي جهة، مهما حاول البعض تفسير هذه المواقف أو تحليلها. موقفي واضح: أريد أن أرى قبيلة يكوت حاضرة بما يليق بتاريخها وثقلها وحضورها الديموغرافي المتزايد في جهة العيون الساقية الحمراء. وإذا كان هناك من يرى في إثارة هذه الأسئلة محاولة للتشويش، فليتفضل بالجواب عن سؤال بسيط: لماذا لا يتم إشراك كل هذه الكفاءات والشباب والفعاليات؟ ولماذا لا يتم فتح الباب أمامهم للمساهمة؟ فالجواب الحقيقي لن يكون بالهجوم على أصحاب الرأي، وإنما بإثبات أن التمثيلية الحالية قادرة فعلا على استيعاب الجميع.
واستخلاصا لما سبق، فإن رسالتي ليست إعلان معركة على أحد، بل دعوة صريحة إلى تصحيح المسار قبل فوات الأوان. قبيلة يكوت قدمت الكثير، وتستحق أن تكون لها تمثيلية قوية وواسعة وصادقة ومتجددة، لا تمثيلية شكلية تختزل تاريخها في عدد محدود من الوجوه. ومن يريد الاستحواذ على مكون بأكمله دون إشراك شبابه وأطره وكفاءاته، عليه أن يدرك أن الزمن تغير، وأن الوعي تغير، وأن أبناء القبيلة أصبحوا أكثر قدرة على السؤال والنقاش والمقارنة. يكوت أكبر من الأشخاص، وأقوى من الحسابات الضيقة، ومستقبلها لا يصنعه الإقصاء، بل الوحدة والانفتاح وإشراك الجميع.
