شهيق، زفير، ثم سأكتب!!… بقلم : رية الشريف

0

صحراء توذوس بقلم رية الشريف 

قليل من العلاقات الاجتماعية، نفحات هدوء، ثم الكثير من الاجتهاد. هكذا أصف طفولتي المثالية ومراهقتي المتزنة. نموذج للابنة المرغوبة؛ حقيقة اكتشفتها متأخرة بعقد من الزمن. عادة ما أمازح أمي قائلة :” لن تجدي خلفا أفضل مني، فلطالما كنت مثالا للفتاة المطيعة! “، فيأتي الرد :” يا منَيْتي ما گَطْ أوعَدَّلك شيِ تمرْگِي بيه عَن قَرْظك. راسك گَاسي أصلا، ألاَّ كان عاطيك مولانا ذاك البيت لتَمّي گافلة عليك “. أبتسم. هي محقة؛ فكوني المرأة الأسد، قدر ما كان ليخطئن!!
ثلاثة ألقاب جهوية على مدار تعليمي الابتدائي، الإعدادي، والثانوي. كلها تحت مسمى *أعلى معدل للسلك*، وغيرها الكثير. طالبة السنة لعام 2013، باكالوريا علوم رياضية أ بميزة حسن جدا. عامان من الأقسام التحضيرية شعبة رياضيات، فيزياء وعلوم المهندس. اجتياز موفق لمباراة الالتحاق بمجموعة مدارس البوليتكنيك الفرنسية.
كان كل ‏شيء ‏‏يسير حسب ما خططت له من قبل، انتهت إجراءات تسجيلي بإحدى المدارس الفرنسية على أحسن حال. ثم إذا بي أتخلى، وأختار القرب؛ كانت المدرسة الوطنية للطاقة والمعادن بالرباط؛ هكذا وجهتني الاستخارة.
انتهت الدورة الأولى على أتم ما يرام. بطني تزداد حجما كل يوم، والألم كذلك. لم أعد أستطيع المشي، الضحك ولا حتى الاتكاء . كانت البدايات في مطلع سنتي السادسة عشر، بيد أنني كل منهمكة في التحصيل المعرفي، ومنعتني ثقافة “الفظاحة” من البوح بما كان يجول في ذلك الجزء الخالي، المقموع عنوة من جسدي النحيل. هو عسر بول لا أقل، أو في أسوء حالاته قد يكون انتفاخا معويا أعانته علي قليل الكيلوغرامات التي اكتسبتها أنذاك.
مع ذلك الكم الهائل من الوجع وتحت وطأة إصرار الأهل و الأصدقاء كان لا بد من زيارة الطبيب، الذي أكد على جدية الوضع وخطورته.
كان الجميع على الموعد. تتسابق الأحداث لأجد نفسي رفقة رجلي حياتي؛ أبي وأخي؛ داخل حجرة ضاقت يومها على قدر وسعها. أعلن الطبيب لحظتها تشخيص حالتي ك*سرطان مبيض*. كنت أراقب أنذاك وجه والدي الذي غدا شاحبا،هزيلا!! ذلك الرجل الشامخ، البطل الهمام الذي؛ وأنا طفلة؛ كان يأبى أن يرى دمعتي، وإن حدث وتسللت عبرة متمردة إلى مقلتي الصغيرة انتفض قائلا: “ايه!! لا تليت نشوفك تبكي” كيف له أن يشيخ فجأة؟! لا زلت أتذكر ترديده “الرضى بالقضاء وجوبا” و غصة تستوطن حلقه، أما أنا فما كان لي أن أعصي أوامره فأبكي وأنا في عقدي الثاني. بدوت كأنني غير معنية بالخبر. هو قوله الحق يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ أحسست أنني أقوى من المعتاد يا أبي. فما كان مني إلا أن التحقت بالعلاج من فوري، يقينا مني أن الجبن ما كان يوما من صفاتي، ولن يكون.
كانت البداية منهكة بعض الشيء، لكنها ليست بالسوء الذي يعتقده الجميع. تجربتي تقول : ” إن جرعة الكيماوي لا تؤلم. هي فقط تستنزف طاقتك، وقد تشيئك حتى تغدو خاليا من الحياة. لكن الأمر لا يدوم، إلا إذا ما أنت أردت ذلك!! “. هي البداية دائما! تلك الانحناءة التي تستوجبها انطلاقة متميزة، والتي يؤول بعدها كل شيء إلى الأفضل. هكذا علمتني سباقات الطفولة.
يقول نزار : ” ولو خيروني لكررت حبك للمرة الثانية “. وأنا كنت أقول : ” كنت سأختار السرطان للمرة الألف “. إنه أجمل هبة حزتها. لولاه ما علمت لما اختار سبحانه سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ليذهب الرهب عن موسى، و لا لما ابيضت عينا يعقوب ألما على يوسف، و لا حتى لما كان أبو بكر من يقول لصاحبه لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ.
لحسن حظي لم يكن أخا واحداً. كانت شبكة أمن تفيض حبا كلما حزنت، وأنسا كلما توحشت، بل وقوة كلما وهنت. و والداي!! كانا ؛ شكرا لله؛ قادرين على مطالعتي بتلك العيون العسلية التي تحكي قصة ما أنا عليه الآن… أما أخلائي؛ رفاقي في هذا الدرب الطويل. عند كل ميل أو اعوجاج كانوا هم السند.
لا يصمد البناء هش الأساس. كلهم كانوا الأساس. ومع كل دعوة صادقة، أو كلمة إطراء بسيطة، مع ابتسامة كل طبيب أو مريض، مع كل طبطبة على دمعة متوارية، كان بنائي يعلو ويزداد. كنت أمتلئ عزما وإصرارا ولا زلت. شكرا فبكم غدت تجربتي أجمل .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

4 + 4 =