شيوخ القبائل بالسمارة..مؤسسة تأبى الإندثار
صحراء توذوس : السمارة
فجأة تطفو على السطح مؤسسة شيوخ القبائل على مستوى مدينة السمارة، من خلال الاجتماع الذي إحتضنه أمس الأربعاء منزل أهل سلمى ولد سيدي مولود، مطالبين بضرورة إشراكهم في العملية السياسية وعموم مجريات المشهد بالاقليم وكذا البرامج والقضايا التنموية التي تشرف على تنزيلها السلطات المحلية بمعية المنتخبين والمجالس الجماعية التي يدبرونها.
ورغم كل المداخلات والنقاشات الجريئة التي شهدها إجتماع شيوخ قبائل بالسمارة، أمس الأربعاء إلا أنه يعتبر فرصة سانحة، والمناسبة شرط في إستعراض جزء من تاريخ ومراحل مؤسسة الشيوخ التي تأبى الإندثار والموت رغم تذوقها لسكراته أكثر من مرة، ورغم الظروف الدولية والإقليمية المرتبطة بها والمتقلبة كل حين.
ولعل أصعب المحطات التي مرت بها هذه المؤسسة على مر تاريخها هي انتفاضة “الزملة” في 16 يونيو سنة 1970 ضد المستعمر الإسباني والتي خرجت منها سالمة بعد ابتكار السلطات الإسبانية المستعجل حينها للجماعة الصحراوية لتجعلها مخاطبها السياسي وتكون إلى جانبها مؤسسة الشيوخ كجناح يسندها مستمدا قوته من الأعراف والجو السائد، إلى جانب ممثلين للصحراويين بالبرلمان الإسباني والذين لم يكن يتجاوز عددهم 6 أعضاء بـ“الكورتس” الإسباني جملة.
غير أنه وبعد إنسحاب المستعمر من الصحراء، وما رافقه من إضطربات كان لزاما على مؤسسة الشيوخ أن تعرف تهديدا آخر لوجودها تمثل في التشتت الذي طال أعضاءها بعد أن اختار بعض من أفرادها طريق الشرق ليشقه، في وقت بقيت فيه غاليبتهم بوطنهم الأم المغرب، بينما فضل البعض الآخر وهم قلة قليلة النزوح إلى الشمال الموريتاني.
وهكذا والأيام تنطوي وفي عز أتون الحرب بين المغرب وجبهة البوليساريو، سيطرح سؤال الممثل الشرعي للصحراويين، ما سجعل من المغرب يُبادر حينها بالإعلان عن تأسيس المجلس الإستشاري للشؤون الصحراوية الذي كان مُوزعا بين القبائل بإنتخاب كل قبيلة رجلا يمثلها وكان من بينهم طبعا الشيوخ الذين شاركوا بدورهم نيابة عن المجلس الإستشاري بعدد من الإجتماعات القارية لمنظمة الوحدة الإفريقية، والملتقيات الأممية بجنيف في إطار معركة التمثيلية محققين إنجازا ملموسا في الدفاع عن الوحدة الترابية .
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها بالصحراء، مع توقيع إتفاق وقف إطلاق النار المنعوت بمخطط السلام الذي أعاد القوة لمؤسسة الشيوخ بعد وهن، وأكساها صبغة دولية في علاقة ينظمها القانون الدولي مع الأمم المتحدة وبعثتها المعروفة اختصارا بـ“المينورسو”، البعثة التي بعثت الروح في مؤسسة الشيوخ عبر تسميتها الجديدة وإضافة تحديد الهوية بدل شيوخ القبائل الذين استجابوا لها وتفاعلوا معها من خلال أداء وظيفتهم الأممية الطارئة، من هنا بمدن الصحراء، وهناك أيضا بمخيمات تندوف، مستمرين على هذا المنوال إلى غاية 1997 سنة إنحصار مسلسل التسوية وانحباس مسار تحديد الهوية.
ومع إعلان المملكة المغربية لمباردة الحكم الذاتي كحل سياسي للنزاع حول الصحراء، سيعلن موزاة مع ذلك في 25 مارس 2006 عن المجلس الملكي الإستشاري للشؤون الصحراوية برئاسة السيد خليهن ولد الرشيد والمعروف إختصارا بـ“الكوركاس”، كإطار لتنزيل مشروع الحكم الذاتي وتقديم الإستشارة بشكل ديمقراطي ومزدوج محليا ووطنيا، حيث ضم المجلس الملكي في هيكلته 141 عضوا في تمثيلية منصفة لقبائل الصحراء ومكوناتها السياسية، رغم أنها لم تسلم من قيل وقال، وهي تمثيلية إنخرط فيها شيوخ القبائل بدورهم بحوالي 13 عضوا لإعطاء تصوراتهم وإقتراحاتهم بخصوص نظام الحكم الذاتي بالصحراء.
لكن ومنذ ذلك الحين ومؤسسة شيوخ تحديد الهوية أو شيوخ القبائل الصحراوية، وحسب الكثير من المراقبين والمتتبعين لا زالت تعيش حالة من الجمود والتيه المنبثق من الإحساس والشعور أنه لا يزال مرغوب فيها تارة، وأنه أصبح مُتخلى عنها تارة أخرى، وأنها باتت صوتا لا يُسمع صوتهُ، وممثلا لم يعد يجد ما يمثلهُ، أمام تواجد المنتخبين والمستشارين والبرلمانيين بالأقاليم الجنوبية، ما يطرح تساؤلات حول هذه المؤسسة بحكم الوضعية الراهنة بالصحراء، وهل سيمكنها النجاح في إيجاد موطئ قدم حقيقي داخل المشهد العمومي والمحلي وإشراكها في بلورة القرارات السياسية والبرامج التنموية التي تشهدها المنطقة كما دعا إلى ذلك شيوخ السمارة.
