300×250

الثقة الملكية في كفاءات أبناء الصحراء تتصدر مشهد التعيينات العليا

0

صحراء توذوس : السمارة

في سياق متحول يتسم بإعادة بناء تصور شامل للحكامة الترابية في المغرب، أقدم جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، على إجراء سلسلة من التعيينات الاستراتيجية التي شملت الإدارة الترابية والدبلوماسية، في خطوة تعكس استمرارية النهج القائم على تثبيت أسس الكفاءة وتكافؤ الفرص، وترجمة ملموسة للرؤية الملكية التي تجعل من الإنسان ركيزة أساسية لأي إصلاح إداري أو مؤسسي، هذه التعيينات، وإن بدت في ظاهرها مرتبطة بحركية عادية داخل جهاز الدولة، فإنها تنطوي على أبعاد رمزية ومؤسساتية عميقة، ترتبط بالتحولات الجارية في بنية الدولة ودينامية نخبها.

تعيين محمد عالي حبوها عاملاً على إقليم سطات يأتي كتتويج لمسار مهني اتسم بالحضور الميداني والأشتغال على قضايا ذات طابع استراتيجي، من بينها الرقمنة والتدبير التشاركي، خصوصًا خلال فترة توليه المسؤولية بعدد من الأقاليم التي تتباين من حيث الخصوصيات التنموية، إن انتقاله إلى سطات، وهي عمالة ذات حمولة سوسيواقتصادية خاصة، يندرج ضمن مقاربة تروم توطين الخبرة الإدارية وربطها بأهداف التنمية المندمجة، خاصة في مجالات التشغيل وتأهيل البنيات الأساسية وربطها بالتحولات المجتمعية الراهنة، كما أن حبوها، بخلفيته الأكاديمية في العلوم السياسية وتكوينه الميداني، يحمل رؤية مزدوجة تسمح له باستيعاب التحديات الجديدة المطروحة على مستوى التدبير المحلي.

في نفس الإطار، يمثل تعيين محمد سالم الصبطي على رأس إقليم اشتوكة أيت باها خطوة أخرى في اتجاه ترسيخ جيل من المسؤولين الترابيين القادرين على استيعاب رهانات التنمية القروية والفلاحية، خاصة في المناطق التي تعاني اختلالات مجالية حادة، الصبطي الذي راكم تجربة مهمة في الشأن الترابي، خصوصًا بإقليمي السمارة واليوسفية، يُنتظر منه اعتماد مقاربة ترابية مندمجة تتجاوز التدبير التقني إلى خلق التفاعل مع الفاعلين المحليين، بما يضمن استباق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ويحولها إلى فرص تنموية، كما أن انتماءه المجالي إلى الأقاليم الجنوبية يمنحه فهمًا دقيقًا لرهانات العدالة المجالية ويعزز من فرص تحقيق نتائج ملموسة على الميدان.

أما على المستوى الدبلوماسي، فإن تعيين سيدي محمد بيدالله سفيرًا للمملكة لدى جمهورية الموزمبيق، يشكل حلقة إضافية في استراتيجية التموقع المغربي داخل الفضاء الإفريقي. فاختيار شخصية راكمت تجربة طويلة في العمل القنصلي والدبلوماسي، من أمريكا اللاتينية إلى أوربا، يعكس إرادة الدولة في توسيع شبكة حضورها داخل إفريقيا، حيث تكتسي العلاقات الثنائية طابعًا حساسًا بسبب المواقف الإقليمية لبعض دول الجنوب الإفريقي من قضية الصحراء المغربية، ويتوقع أن يسهم بيدالله في تكريس الدبلوماسية الهادئة والبناءة، القائمة على الحوار والانفتاح، وفي نفس الوقت تقوية موقع المملكة ضمن التكتلات الجيوسياسية الصاعدة بالقارة.

الملاحظ أن جل هذه التعيينات تشمل كفاءات منحدرة من الأقاليم الجنوبية، وهو معطى دال سياسيًا ووطنيًا، فإلى جانب ما يعكسه من ثقة ملكية في كفاءة أبناء هذه المناطق، فإنه يشكل ردًا فعليًا على الأطروحات الانفصالية، عبر دمج هذه الكفاءات في مفاصل القرار الإداري والدبلوماسي الوطني، كما أن هذه التعيينات تترجم مبدأ الإنصاف المجالي، الذي أصبح أحد ركائز النموذج التنموي الجديد، حيث يتم تجاوز منطق المركز في تدبير الشأن العام نحو منطق الجهوية الفاعلة، بما يضمن إشراك كل الجهات في صنع القرار الوطني.

إن ما يطبع هذه التعيينات من بعد استراتيجي لا ينفصل عن التحولات العميقة التي تعرفها الإدارة المغربية، خاصة في ضوء التوجيهات الملكية المتكررة حول ضرورة تجديد النخب وضمان فعالية السياسات العمومية، فالمطلوب اليوم ليس فقط الوفاء بالمسؤولية، بل القدرة على التفاعل مع واقع معقد ومركب، يتطلب مهارات قيادية جديدة، وتملك أدوات التقييم والرقابة والتواصل، وهي كلها مواصفات يبدو أن هذه التعيينات تأخذها بعين الاعتبار.

في المحصلة، فإن القراءة المتأنية لهذه التعيينات تُظهر أن الدولة المغربية ماضية في مسار طويل من تحديث أدوات اشتغالها، عبر ترسيخ مفاهيم جديدة في التدبير العمومي، تقوم على الفعالية، والمسؤولية، وربط السلطة بالمحاسبة، في أفق بناء نموذج تنموي يراعي الخصوصيات المجالية ويعتمد على نخبة منفتحة، ميدانية، وقادرة على تحقيق التوازن بين المحافظة على الاستقرار، ودفع عجلة التقدم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.