ماذا بعد بيان جبهة البوليساريو؟ بقلم / بداد محمدسالم

0

صحراء توذوس : بداد محمدسالم 

تثير لغة البيان الصادر اليوم عن الأمانة الوطنية لجبهة البوليساريو الكثير من علامات الاستفهام.

وانطلاقا من تحليل المضمون فإنه يجسد قطيعة مع اللغة الجامدة لسابقيه من البايانات التي اعتادت التلميح الى الخيار العسكري مع التشبث بمخطط التسوية وابراز حسن نية الجبهة في التعاطي الإيجابي مع الأمم المتحدة، وإبراز الموقف المغربي كموقف متعنت يقف أمام تسوية النزاع.

تعد عبارة “فإنه لم يعد أمام جبهة البوليساريو أي خيار سوى إعادة النظر في مشاركتها في عملية السلام برمتها.” أهم تغيير في لغة بيان الجبهة بعدما كانت تلمح بالعودة الى الخيار العسكري مع تأكيد في فقرات كثيرة على التزامها بالمخطط الاممي وانفتاحها ودعمها لمساعي الأمم المتحدة لإيجاد حل للنزاع يحترم الشرعية الدولية.

مما يعني انتقالا في أدوات الخطاب الموجه للفاعلين الدوليين، وذلك عبر خطاب جديد مدعم بإشارات للخطوات العملية التي بإمكان الجبهة القدوم عليها بالرغم من السياقين الاقليمي والدولي الذين يحدان من إمكانية أي تأثير لخطوات الجبهة المستقبلية، خاصة وضع الحليف الجزائري ووضعية جمود القضية اممية في غياب مبعوث شخصي للأمين العام الأممي إلى الصحراء.

تتجسد الإشارة الأولى في استنكار ” …خضوع المينورسو للخروقات المغربية كالثغرة غير القانونية في منطقة الكركارات.” وتاكيد الجبهة على احتفاظها بحق الرد المشروع على كل الأعمال المزعزعة للاستقرار التي تقوم به الدولة المغربية” على حد تعبير البيان.

إن إعادة التوتر بمنطقة الكراكات رهين باستقرار الوضع السياسي في موريتانيا أكثر من الجزائر التي قد تكتفي بدور الدعم السياسي والتغطية اللازمة لإدارة أي توتر ، في حين أن وجهة النظر الموريتانية من هذه الخطوة هي التي ستحدد قدرة جبهة البوليساريو على استخدام هذه الورقة، خصوصا في ظل عدم اتضاح الرؤية حول مصير العلاقة بين المغرب وموريتانيا بعد انتخاب ولد الغزواني رئيسا جديدا، إلا أن الخطوة المغربية الأخيرة للتسريع في إنجاز ميناء امهيريز على مقربة من ميناء انواذيبو الذي يشكل منافسا قويا للقطب الاقتصادي في موريتانيا، قد يجعل هذه الأخيرة أقرب إلى الجزائر والبوليساريو، إذا ما استشعرت خطرا جيوساسي على مصالحها الاستراتيجية.

في حين تتجسد الإشارة الثانية في ”
إن أي مقاربة لا تحترم بشكل كامل معايير الحل المنصوص عليها في خطة التسوية الأممية ستؤدي إلى تفاقم مخاطر انهيار وقف إطلاق النار وعملية الأمم المتحدة للسلام برمتها”، مما يعزز فرضية حضور ورقة معبر الكراكرات كنافذة لمناقشة وتعديل مخطط التسوية الاممي ككتلة واحدة غير مجزئة،

مع إمكانية التراجع عن جميع الخطوات التي أقدمت عليها جبهة البوليساريو في إطار ما أسمته إعادة الانتشار، مما يفتح المجال الى انتهاكات جديدة لوقف إطلاق النار، والضغط في اتجاه معالجة هذه الخروقات في إطار أوسع يضع المجتمع الدولي، مع إثارة ضرورة إعادة النظر في مخطط التسوية بصفة شاملة غير مجزءة، خاصة ما تعلق منها بإجراءات وقف إطلاق النار، كضرورة آنية غير قابلة التأجيل.

لكن في المقابل لا يخلو هذا البيان من رسائل سياسية موجهة إلى الداخل، وقد تحقق مكاسب لقيادة الجبهة في ظل الأوضاع الحالية، وقد يقول قائل بأن هذا البيان موجه للداخل أكثر من ماهو موجه للخارج، من أجل امتصاص الغضب الشعبي من الجمود الذي أصبح واقعا مرفوضا خاصة من الشباب، كما أنه يُعتبر ورقة رابحة لاستخدامه في توجيه المؤتمر المزمع عقده الشهر القادم.

ينعقد المؤتمر في فترة حساسة من النزاع، في ظل وضع خاص في الجزائر عنوانه التوتر وعدم وضوح في مصير وشكل من سيحكم قصر مرداية، وفي ظل تجاذبات اقليمية وأوضاع غير مستقرة، وتباين في مواقف قوى دولية غير متزنة، وقابلة للانحراف في أي وقت، بالإضافة وضع داخلي غير متحكم فيه كما هو الوضع في السابق.

كل هذه المؤشرات تجعل المنطقة في مفترق طرق شبيه بما حدث في أواخر الثمانينات من القرن الماضي. حيث نجد وضع داخلي متوتر، وحالة ضعف لدى الحليف الجزائري، وضع اقتصادي وعسكري حرج لدى المغرب، جعل كل هذه الأطراف تقدم تنازلات في إطار مسلسل التسوية الاممي، وتستفيد من هذه الأوضاع لإعادة بناء بيتها الداخلي خاصة جبهة البوليساريو من خلال استثمار حساسية وضع ومصير القضية لضمان استمرارية التمثيلية السياسة على رأس الجبهة.

فهل سيكون الوضع في الكرارات وإعادة الانتشار مفاتيح للتحكم في نتائج المؤتمر، و بناء علاقة قوية مع موريتانيا، وتهديد للقوة الاقتصادية المغربية الصاعدة في افريقيا، وبداية بناء مسلسل أممي جديد ينتظر ما تسفر عنه الانتخابات في الجزائر.

فهل تكون نهاية العشرية الثانية من القرن الحادي و العشرين استنساخا لنهاية العشرية ما قبل الأخيرة من القرن العشرين؟

بقلم : بداد محمد سالم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

97 − 93 =