ما أحوجنا إلى التراحم

0

صحراء توذوس : 

يتجهم في وجه أخيه لمجرد أنه لا يتبع شيخه أو جماعته، يسيء إلى الغير بدعوى أنهم مخالفون..! أصحاب الفكر الواحد أصبحوا شيعاً، وأصحاب الأفكار المقاربة بينهم من المسافات ما هو أبعد بكثير من المسافات الحقيقية بين أفكارهم. إعلام فاسد أفسد العلاقات بين الناس.. وأخلاق تائهة يحتاجها الناس فيما بينهم ليتحقق الإصلاح، ولكنهم لا ينظرون إلا تحت أقدامهم إلا من رحم الله. هكذا نحن! متفرقون، متباعدون، وأصبحنا بسبب السياسة الغبية منقسمون.. ما أحوجنا إلى الرحمة! ما أحوجنا إلى الرحمة! ما أحوجنا إلى الرحمة! * “الرَّحْمَة رقَّة تقتضي الإحسان إلى الْمَرْحُومِ، وقد تستعمل تارةً في الرِّقَّة المجرَّدة، وتارة في الإحسان المجرَّد عن الرِّقَّة” (مفردات القرآن للراغب:1/347). وقيل: “هي رِقَّة في النفس، تبعث على سوق الخير لمن تتعدى إليه” (التحرير والتنوير لابن عاشور:26/21). وقيل: “هي رِقَّة في القلب، يلامسها الألم حينما تدرك الحواس أو تدرك بالحواس، أو يتصور الفكر وجود الألم عند شخص آخر، أو يلامسها السُّرور حينما تدرك الحواس أو تدرك بالحواس أو يتصور الفكر وجود المسرة عند شخص آخر” (الأخلاق الإسلامية وأسسها لعبد الرحمن الميداني:2/3). قال تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} [البلد: 17-18]. قال محمد الطاهر بن عاشور: “خصَّ بالذِّكر من أوصاف المؤمنين، تواصيهم بالصَّبر، وتواصيهم بالمرحمة، لأنَّ ذلك أشرف صفاتهم بعد الإيمان، فإنَّ الصَّبر ملاك الأعمال الصَّالحة كلِّها؛ لأنَّها لا تخلو من كبح الشَّهوة النَّفسانيَّة وذلك من الصَّبر، والمرحمة، ملاك صلاح الجماعة الإسلاميَّة قال تعالى: {رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} [الفتح من الآية:29]، والتَّواصي بالرَّحمة فضيلة عظيمة، وهو أيضًا كناية عن اتِّصافهم بالمرحمة، لأنَّ من يوصي بالمرحمة هو الذي عرف قدرها وفضلها، فهو يفعلها قبل أن يوصي بها” (التحرير والتنوير لابن عاشور:30/361).

 

أما السُّنَّة فقد استفاضت نصوصها الداعية إلى الرَّحْمَة، الحاثَّة عليها، المرغِّبة فيها إمَّا نصًّا أو مفهومًا، كيف لا وصاحبها صلى الله عليه وسلم هو نبي الرَّحْمَة كما وصف نفسه فقال: «أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرَّحْمَة» (رواه مسلم:2355، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه). – فعن النُّعمان بن بشير رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادِّهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد إذا اشتكى عضوًا، تداعى له سائر جسده بالسَّهر والحمَّى» (رواه البخاري:6011، ومسلم:2586).

 

يقول النووي معلقًا على هذا الحديث: “هذه الأحاديث صريحة في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض، وحثِّهم على التراحم، والملاطفة، والتعاضد، في غير إثم ولا مكروه” (شرح النووي على مسلم:16/139). وقال ابن أبي جمرة: “الذي يظهر أنَّ التَّراحم، والتوادد، والتعاطف، وإن كانت متقاربة في المعنى لكن بينها فرق لطيف، فأما التَّراحم فالمراد به أن يرحم بعضهم بعضًا بأخوة الإيمان، لا بسبب شيء آخر، وأما التوادد فالمراد به التواصل الجالب للمحبة، كالتزاور والتهادي، وأما التعاطف فالمراد به إعانة بعضهم بعضًا، كما يعطف الثوب عليه ليقويه” (فتح الباري لابن حجر:10/439)، (اهـ) ملخصًا. – وعن عائشة رضي اللّه عنها قالت: “جاء أعرابيٌّ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: تقبِّلون الصِّبيان فما نقبِّلهم، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: «أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرَّحْمَة؟»” (رواه البخاري:5998). قال ابن بطال: “رحمة الولد الصغير، ومعانقته، وتقبيله، والرفق به، من الأعمال التي يرضاها الله ويجازي عليها، ألا ترى قوله عليه السلام للأقرع بن حابس حين ذكر عند النَّبي صلى الله عليه وسلم أن له عشرة من الولد ما قبل منهم أحدًا: «من لا يرحم لا يرحم»؟” (رواه البخاري:5997، ومسلم:2318، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه). – وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرَّاحمون يرحمهم الرَّحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السَّماء» (رواه بألفاظ متقاربة: أبو داود:4941، والترمذي:1924، وأحمد:2/160، 6494، قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه ابن دقيق العيد في الاقتراح:127، والعراقي في الأربعون العشارية:125، وحسنه ابن حجر في الامتاع:1/62، وصححه الألباني في صحيح الجامع:3522). قال شمس الدين السفيري: “فندب صلى الله عليه وسلم إلى الرَّحْمَة، والعطف على جميع الخلق من جميع الحيوانات، على اختلاف أنواعها في غير حديث، وأشرفها الآدمي، وإذا كان كافرًا، فكن رحيمًا لنفسك ولغيرك، ولا تستبد بخيرك، فارحم الجاهل بعلمك، والذَّليل بجاهك، والفقير بمالك، والكبير والصغير بشفقتك ورأفتك، والعصاة بدعوتك، والبهائم بعطفك، فأقرب النَّاس من رحمة الله أرحمهم بخلقه، فمن كثرت منه الشفقة على خلقه، والرَّحْمَة على عباده، رحمه الله برحمته، وأدخله دار كرامته، ووقاه عذاب قبره، وهول موقفه، وأظله بظله إذ كل ذلك من رحمته” (شرح صحيح البخاري لشمس الدين السفيري:2/50-51).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

97 − = 89